2018-01-19

8

I command you to find the cure, wherever it is in this world. I command you to heal yourself, and then return to me.

وماذا أيضًا؟

ربما لن نعرف أبدًا كيف تعمل ذاكرتنا. العرض الذي أذكر جيدًا أني شاهدته، لا أذكر منه شيئًا، ربما لأني لم أكن أشاهده تمامًا، بل كنت مشغولة القلب والحواس بعرض آخر يجري في عروقي، ما زال يخالجني، ما زال يختلط بدمي، ما زلت أنزفه حتى اليوم، وما زال يجدد نفسه، مثلما تتجدد خلاياي، مثلما يتجدد الليل والنهار كل يوم.

ربما لن نعرف أبدًا كيف تعمل حواسنا نفسها. الملمس الخشن ذاك، كان أنعم ما مسته يدي، اليوم الحار ذاك، كان أكثر أيامي اعتدالًا على الإطلاق، النظرة التي طالت دهرًا، كانت غنية بالمعاني، ولم يكن لها أي معنى على الإطلاق. أما عين الطائر فتخترع قصة أخرى، عناقات أخرى، وبكاءً، ويدين تمسحان الدموع، وشفاهًا تقبِّل العيون التي تبكي وتبسم في الوقت نفسه.

في قصة الرجل البلوري التي أترجمها هذه الأيام، كان الراوي واقعًا في حيرة خلقتها حواسه. كل من أذنيه ويديه والمنطق، يدعم ما لا تدعمه عيناه، لكنه يقرر بشجاعة أن يصدق ما لا يراه، ليس لأنه يؤمن بالخوارق، ولكن لأنه رجل علم، وحدسه العلمي ينبئه بأن الكائن غير المرئي الذي يتلاعب به، موجود، بدليل أنه يشعر به ويتكلم معه ويرى أفعاله حتى ولو لم يره بذاته.

ربما لم يعد هناك ما أكتب عنه. لا شيء غير مواعيد الدواء وآثاره الجانبية، وعدد الحلقات المتبقية من المسلسل، وقائمة الأفلام التي رشحها لي محمد، ورسالة نيللي غير المتوقعة، وتخاذلي عن ترتيب المنزل، وتذبذب أدائي في العمل (مع تعللي بالحزن والتعب وآثار الدواء)، وحلقة أخرى من الشجار مع خالاتي في الأحلام، ورسائل الحب الصباحية التي أتبادلها مع أختي، وتجدد اكتشافي أن لا أصحاب لي، ومحبتي لرضوى وعدنان ونهى (حاليًّا)، وتوطيدي للعلاقات بيني وبين نفسي، وخوفي واطمئناني في الوقت نفسه، وخطة مؤجلة إلى أجل غير مسمى (أحاول أن أسميه)، وشهية مفتوحة لشيء لا أعرف ما هو، وأسئلة ليس لها إجابات، وإجابات أعرف أني لن أقبلها، لذا لا أسعى إلى الحصول عليها، وإجابات أخرى تفرض نفسها عليّ، فأنفجر فجأة في البكاء. لم يعد هناك ما أكتب عنه. حتى حبيبي الذي يسكن في بوسطن قررت أن ألغيه، ربما لأنه كان فكرة سيئة بالأساس، أو ربما لأنه أخذ أكثر من وقته الذي يستحق، أو ربما لأني مللت.

2018-01-16

6

الدكتور بيقول لي إني مش لازم أقلق من الرعشة وضربات القلب السريعة، على أساس إنها أعراض جانبية للدوا، هتنتهي لما الكورس ينتهي. حسيت بالطمأنينة لما كررت عليه السؤال، وجاوبني نفس الإجابة، لغاية ما اقتنعت.

مين قال إن قناعاتنا بتغير حاجة؟ أنا عملت وبعمل كل الحاجات المقنعة، عشان أحس إني كويسة وإن مفيش بالإمكان أحسن مما كان، ولما بتزيد الرجفة ودفاعاتي النفسية بتنهار، بلاقي نفسي نزلت لقاع البؤس، بحس بالثقل الحقيقي للـ … والمنطق بيعذبني. لأول مرة (؟) امبارح أروح هناك كليا، وأبكي فداحة اللحظة كليا، وأحس بالضعف والاحتياج والحنين الكلي.

كل شوية بقول لنفسي اللي قالهولي مصطفى: انتي دلوقتي اللي بتقسي على نفسك. من بعيد يبدو إني بجلد نفسي وبعاملها معاملة سيئة، أما من قريب فالأسوأ إني بشفق عليها. لكنها شفقة عاجزة، بتفرج عليها وأنا هموت وأحضنها، هموت وأتدخل، لكني مش قادرة أعمل كده، وبكره نفسي لأني مش قادرة، لأني ضعيفة ومرتعشة ومشوشة و restless بكل هذا القدر. دي القسوة. زودي عليها شعوري بالذنب، لأن قسوتي طالت/بتطول حد تاني.

أختي بتقول لي إني لازم ألاقي بديل للمدونة، وإن فكرة إني أقفلها مش هتحل حاجة. لازم ألاقي بديل، لأن المكان ده بقى بدل ما يريحني بيتعبني ويخوفني ويزود شعوري بالهدر، وبإني هفضل أدور حوالين الحاجات، وهيفضل اللي واجعني فعلا غير قابل للمشاركة مع أي حد، ولا للتعبير عنه، ولا حتى بيني وبين نفسي.

2018-01-15

5

بماذا يُقاس القُرب؟

«لستُ في آخر الدنيا
أنا فقط في بوسطن»
يقول حبيبي
بائع القبعات

رائحته التي تناوشني
في أكثر لحظات تشوشي صفاءً
تدلُّ على أنه أقرب

المشكلة
كيف أثبت أن رائحته
هي رائحته؟

المشكلة
أنا وفسحة الأمل وفتيات الحديقة العامة
أينا تحفظ رائحته لمدة أطول؟

المشكلة
المرأة (أنا)
أنضج أسرع من المُدة
تنمو حواسي
ورائحته على حالها لا تنمو
توشك رائحته ألَّا تسعني
أوشك أن أخرج من رائحته
كما يخرج النائم من حلمه

أنت فقط في بوسطن
وأنا في آخر الدنيا
يا حبيبي، أو أبعد

15 يناير 2018

امرأة

يمكن للمسة عاديّة من مصوّر الفوتوغرافيا
أن تضعني على حافّة الجحيم
شفتاي ترتجفان
أفقد القدرة على الحركة
هل أصبحت امرأة دون أن أدري؟
الطّفلة الّتي أربّيها داخلي
متى اختفت؟
وصعدت تلك الأخرى
الّتي يشعلها الهواء الـملوّث بالبارفان
ماذا يحدث لي؟
ما الّذي تغيّر في العالم وجعلني/جعلها تستيقظ؟
لا أستطيع سجنها داخل الكرّاسة
أو تحويلها إلى أغنية صغيرة
كيف توحّشت هكذا كي تفرض إرادتها عليّ؟
أنا وحيدة معها
تنتقم منّي بشراسة
تسلبني إرادتي وتركض عكس اتّجاهي
تحضن الرّجال، وتترك أصابعها ترتاح على أكتافهم
- لا أحد يحبّني
- يحبّونك... لا تخافي
- لا أحد لي
- ......
تجرّني إلى المرآة
لتتأكّد من هزيمتي
العذاب يتدفّق بقوّة
ماذا أفعل يا الله؟
لا أريد أن أكون امرأة

— غادة خليفة

(القصيدة دي كانت مرايتي في يوم من الأيام، لمدة طويلة، وكنت بحبها. ما زلت بحبها، لكن مع مشاعر أخرى ملتبسة، أوضحها إني تجاوزتها، يمكن؟)

2018-01-13

مفاتيح حياتي يا عين

“It unlocks you, Lobna!”

ليّ كام يوم عايزة أحكي لحد (أو أكتب وذلك أضعف الإيمان) عن المفاتيح اللي في حياتي. الجملة اللي فوق كانت ضمن فويس نوت قصيرة بعتهالي محمد في أبريل اللي فات. كأني بسمعها دلوقتي: إت آنلوكس يوو لوبنى. هو إيه اللي بيفكنا؟ بيفتحنا؟ بيفجرنا؟ إننا نلاقي حد يسمعنا ونسمعه، يشوفنا ونشوفه، يتقبلنا (جست بيكوز هي لايكس أس)، ويخرّجنا من أسطورة إن الحاجات اللي مردوم عليها جوانا لازم تفضل مستخبية، من ناحية عشان هي قبيحة وتكسف ومالهاش حل، ومن ناحية تانية عشان لو خرّجناها مش هنلاقي حاجة نغذي بيها مآسينا وأحزاننا الوجودية.

الكتمان والخجل من المكتوم أيًّا كان، والانطواء، والصمت، والتجنب، وعدم تسمية المشاعر بأسمائها، وأحيانًا عدم إدراكها، وغالبًا تجاهلها وعدم التعبير عنها أصلًا، لا قولًا ولا فعلًا ... كلها تكاد تكون وراثية، انتقلت لي كده، وكنت دايمًا بقوم بواجبي في الحفاظ عليها وتغليفها بأغلفة مختلفة.

لو محمد هنا كان خالفني في النقطة الجاية دي، بس هو ده اللي حصل معايا. أول مفاتيحي على الإطلاق كانت الكتابة. على قد ما هي فعل فردي، وأشبه ما تكون بإنك بتكلم نفسك، أو بتصنع حقيقة موازية لحقيقتك، على قد ما كانت وما زالت بتعمل معايا أكتر من كده كتير. أكيد قلت قبل كده في أكتر من مناسبة إنها بتواكبني، بتفهّمني نفسي، بتمتعني، بتغيرني، بتصنعني، وبتحسسني إني موجودة.

لكن طبعا، لو كنت لسة بكتب بنفس الطريقة اللي كنت بكتب بيها وأنا في خامسة ابتدائي، مكانتش حاجة من دي هتحصل. وده ينقلني لقائمة من الامتنانات للحاجات اللي خلت كتابتي تنفتح عليّ وعلى نفسها. كل الحاجات اللي قريتها، واللي اتعلمتها، واللي ساقني فضولي للتدوير وراها (زي إني أخترع الكلمة وأروح أتأكد من معناها قبل ما أقرر أستخدمها)، والتدوين (أنا لي أكتر من 10 سنين بدوّن! واللي يرجع ورا يلاقي فضايح، رغم إني مسحت كتير من القديم!)، والناس اللي اتأثرت بتدوينهم، وممكن أعدّ منهم كام اسم، خاصة الشفافين اللي بيكتبوا كتابة ذاتية جميلة متماسّة معايا.

ملحوظة لا بد منها: اللي قلته لغاية دلوقتي واللي هقوله من مفاتيح الكتابة، هو في الغالب من مفاتيحي الشخصية عمومًا، بقدر التماهي بين حياتي وبين كتابتي.

مفتاح تاني هو مساري المهني. البنت اللي درست دراسة علمية عملية بحتة، وكانت بتروح وتيجي كل يوم لمدة خمس سنين بالمسطرة التّي وأفراخ الكانسون، أول حاجة عملتها من قبل ما تتخرج، هي إنها سابتها من الهندسة، وبقت بتدوّر ورا أي حاجة فيها قراية وكتابة. وعلى عكس الرأي القائل إن شغلانة فيها كتابة بالنسبة لحد هاوي كتابة، بتخليه يفقد شغفه بيها، اللي حصل معايا كان العكس تمامًا.

لما توجهت للتصحيح اللغوي في البداية، كنت مدفوعة جنب الهوس بالكمال اللغوي وإصلاح الأشياء، بالرغبة في القراءة العميقة. إني أصحح نص، معناه إني هقراه كويس أوي، وهتعلم وأستمتع وأنا بشتغل. يا لها من غنائم! ثم كانت بداية شغلي في مايو 2013 محررة في مؤسسة هنداوي، نقطة تحول شخصية (وكتابية بالضرورة)، لأني كنت لأول مرة بطّلع على كتب كتيرة ومتنوعة ماكنتش هروح لها من نفسي، وكنت لأول مرة بكتب كتابة غير شخصية، بكتب عن الكتب، عن اللي بقراه، عن المؤلفين، وأسلوبي بياخد منحى إنه يكون بسيط ومفهوم، من غير ما يتخلى عن حيله اللغوية وخياله التعبيري، ومن غير ما يفضل في مرحلة الإلغاز المبالغ فيه والكلكعة والإنغلاق اللي كان في كتاباتي المبكرة. تغير كبير آخر حصل لما رُحت نيتشر الطبعة العربية، واكتشفت لأول مرة إن مهارتي في التعامل مع لغتين ييجي منها، رغم إنه كان ليّ تجارب محدودة في المجال ده قبل كده. حصيلة من الكلمات الإنجليزي ومقابلاتها بالعربي كانت بتكبر معايا هناك، والأروع، إن مهمتي الأساسية اللي هي مراجعة الترجمة، ساعدتني أتعلم الترجمة. كانت لحظات الانتشاء المهنية الشخصية القصوى، بتتمثل في إني أراجع شغل مترجم عبقري، أبقى طول ما أنا ماشية معاه مستمتعة بجمال نصه العربي، وكمال استيعابه للنص الإنجليزي، وبراعته في نقله، لدرجة إني أحيانًا كنت ببقى مكسوفة من التعديلات اللي بعدّلها عليه (أحمد بركات ووسيم عبد الحليم وهويدا عماد ومحمد الوكيل، على سبيل المثال)، رغم إني مع مترجمين تانيين كان ممكن يوصل بيّ الأمر لنسف جزء محترم من شغلهم وبناؤه تاني. إيه علاقة ده بالكتابة؟ كل العلاقة طبعا؛ مجال قراءة واطلاع جديد عليّ، أدوات تعبير جديدة بتخدم معلومات وحقائق، مش خيال، وإن كان حصل كتير إني كنت بلاقي جوا المعلومة العلمية وخواطر العلماء والباحثين، شعر! ده أعظم الشعر في نظري؛ الجمال والمفارقات الجمالية الكامنة في حقائق الأشياء. وبعدين؟ رجعت هنداوي تاني، مترجمة المرة دي. ويا للتحرر والعظمة اللي بيوفرها خلق نص أدبي جميل، باعتباره النسخة بتاعتك من نص أدبي جميل مكتوب بلغة تانية، بتفهمها آه، لكنك مغرم بلغتك أكتر بكتير.

كفاية كلام عن الشغل، وخليني أتكلم عن الناس. وبالنسبة لحد مش مغرم بالناس ومش عايش معاهم، فالأشخاص اللي أثروا فيّ وعرفت نفسي أكتر، واستكشفتها وكشفتها، من خلال تعاملي (أو تجنبي للتعامل) معاهم، كانوا مُعجزين.

مش هسمّي كتير، لكن لازم أقول «إيثار» دايمًا، وحتى بعد ما بقى بيني وبينها خلافات أيدلوجية عميقة، إيثار كانت وما زالت خيط بيربطني بنفسي وحقيقتي اللي أنا عليها واللي عايزة أكونها. إيثار خلتني أفكر وأحس وأحضن وأحاول أفهم وأتقبّل وأحب وأبقى شخص بيحاول يكون حقيقي وطيّب. إيثار ربّتني وساعدتني على التعامل مع نفسي ومع الحياة، بالقدر نفسه (إن لم يكن أكبر أحيانًا) اللي بيه أنا ربيتها وحاولت أدعمها وأفضل منحازة ليها.

دي كانت إيثار، وبعدها محمد. في يونيو اللي فات كتبت لإيمان، وكان من بين الكلام: «في الشهرين اللي فاتوا، اكتسبت صديق رائع، التواصل ما بيننا غيّر لي كتير في نفسي وفي تفكيري، وحسّسني لأول مرة إني أقدر أشارك نفسي من غير ما أحس إني مكشوفة بشكل مخجل أو إني بكلم الفراغ. كمان طوّر عندي مهارة إني أسمع وأتفهّم وأتعاطف وأحاول أساعد حتى لو ما عنديش فكرة ممكن أساعد ازاي...» الحاجات اللي بقت unlocked جوايا في الشهور التالية، خلتني شخص جديد، خفيف مع إنه لسة حزين. لكن حتى الحزن ده كأنه مختلف وحاسس بالامتنان. وكما قلت قبل كده: معرفة الناس الحلوة عمرها ما بتكون خسارة.

أنا بكبر وهتم الواحد وتلاتين كمان تلات أسابيع، ولسة فيه حاجات كتير عايزة أعيشها وأستكشفها وأكتب عنها. وبِفضل «جوجل ستريت فيو» بتمشى ساعات في مدن بعيدة، وبقابل ساعات ولاد قاعدين تحت الشجر بيبيعوا كابات ونضارات، وبكتب لهم. وساعات بعزم اصحابي يلعبوا نفس اللعبة، يسيحوا ويتملوا بالدهشة ويكتبوا. أنا قلت إن مهرجانات الكتابة الجماعية مفتاح من مفاتيح حياتي؟ كتاب المية تدوينة، ورسائل لبنى، و #ساعة_كتابة، وماراثون الكتابة بالحواس، وأخيرًا #سوّاح.

All of these have been unlocking me.

أفمن كان ميتًا

© Frida Castelli
كان كل شيء بخير
حتى أتى
فأصبح كل شيء حي

يا ريتني عرفتك أكتر


هاي، أنا اسمي لبنى، وليّ أربع ساعات على الأقل بعمل stalking حثيث لشخص ما، بإخلاص وتركيز شديد، لو بستغله في الحاجات المهمة (زي الشغل مثلا) كان زماني بعمل over achievement زي الفل.

طبعًا أنا فاهمة إن الناس مش الآثار اللي سايبينها بمزاجهم أو اعتباطيًّا هنا وهناك، ومش شبكة العلاقات الافتراضية اللي يبدو إنهم واقعين فيها، ومش اكتشاف بالمرة إنه لو كل واحد جمع الكراشز والحبايب السابقين واللاحقين بتوعه في أوضة واحدة هيكتشف إنهم كلهم يعرفوا بعض، واحتمال كبير يبقى بينهم إعجابات متبادلة، عشان guess what؟ فيه بينهم قاسم مشترك فظيع، اللي هو انت.

مش قادرة أقول إن عندي مبرر قوي لعملية التنقيب المرهقة والجنونية دي، لكن عندي تفسير معقول. أنا عايزة أفهم، عايزة أ make sense of the chaos، وحظي الوحش إن دي الوسيلة الوحيدة المتاحة قدامي. زيي زي ماريا في «عن الجسد والروح» مكانتش بتتفرج على البورن عشان تستمتع أو تتسلى، ولا كانت بتتطفل على الحبايب في الحدايق العامة عشان هي غاوية تحشر مناخيرها في لحظات الناس الحميمية؛ هي بس كانت بتحاول تفهم. فهمت بعد ده كله؟ لأ، هتفهم ازاي وهي واقفة بعيد ومفيش حاجة واحدة ممكن تقنعها بإنها زيها زي الناس، وإن مفيش كتالوج للرابط/الصلة/التشبيك اللي بيحصل بين اتنين بني آدمين، مفيش حد منهم حابب يفضل في العراء في وسط العاصفة لوحده، وبيدوّر على حد طيب وحنيّن، يمسك إيده ويبقوا هم الاتنين في العراء في وسط العاصفة والبرد والزعابيب، لوحدهم. فيعني عشان ماريا تفهم، كانت لازم تدخل في التجربة، تجربة حية من لحم ودم، ومحتاجة منها شجاعة رهيبة ورغبة حقيقية في الحياة، عشان تدخل فيها بلحمها ودمها هي كمان.

2018-01-12

3


عارفة لما تعرفي حد كفاية لدرجة إنك تبقي عارفة إنك مش عارفاه كفاية؟ إن فيه مرحلة من الكفاية كانت لسة مش متحققة؟ واحتمال تكون مش هتتحقق؟
أنا بقى عارفة إن من أبشع حقائق الحياة، إن فيه ناس بتعيش وبتموت من غير ما حد يعرفهم، حد واحد على الأقل. والأبشع من كده، إن الحد الواحد إن وجد، يكون عرفهم لدرجة إنه مابقاش مستحمل يعرفهم أكتر، فطفش قبل ما يعرفهم تمامًا، فماتوا وهم بالكاد معروفين طشاش، من حد أو حدين بالكتير.

2









2018-01-11

ماستربيس أوف شيت


أكتب لحبيبي
المولع بـ بوجاك هورسمان، لكنه يحب الشعر أيضًا
بائع القبعات
يمكث في بوسطن
في الحديقة المركزية العامة
وأمكث في القاهرة
في سريري الذي لم أغير ملاءته منذ ...
لكنني مع ذلك لا أومن بالعطن
ولا بالخراب
ولا بتدمير الذات
أنا أملك ذاكرة نظيفة
أحلم بأحلام نظيفة
وأعتقد أن حبيبي نظيف

على سيرة النظافة
لم أخفِ حبيبي سرًّا واحدًا
حتى أني أخبرته
بلا مواربة
بأمر ملابسي التي أبللها منذ أسبوعين
من شدة السعال
أما هو فيخبرني بألا بأس
ويرسل إليَّ ذراعيه تحيطانني كلما سعلت
(وأحيانًا بلا مناسبة)
وتمنحانني ملابس نظيفة
وكاسات من الهواء النظيف
وزجاجات مملوءة بالألحان النظيفة
وصورًا لروائح نظيفة
كأنهما تضعانني في قصة إدوارد ميتشيل

البروفيسور المجنون في مطياف الروح
يا حبيبي
يمكنه (يظن أن بإمكانه) الإمساك بكلِّ شيء
لو أنني قررتُ السير على طريقته
فسأمسك بك، حتى وأنت بعيد، لأنك حالٌّ في عقلي وجسدي، حتى وأنت بعيد
وفكرة الحلول مادة، والمادة تُمسَك

لو أنني اقتديتُ بالبروفيسور دومكوبف
فسأمسك بالشوق الهائم بين القاهرة وبوسطن، والعكس
سأقيسه، وسأعرف لونه ورائحته وطعمه، وتاريخ صلاحيته
سأكثفه، أو سأقلصه، أو سأكاثره
أو سأثبت بالدليل القاطع أنه
«بيس أوف شيت»
حقيقةً لا مجازًا
وسيكون عليَّ أن أتخلص منه
كي أكون حبيبةً نظيفة

لكني لستُ نظيفةً يا حبيبي
يا بائع القبعات
يا من تضنُّ عليَّ بساعات عمرك المادية، الملموسة
إلا ساعةً في كلِّ عام
لا أكاد أمسك بها
حتى وأنا مخلصة تمامًا لطريقة دومكوبف
وأتلو صلواتي بانتظام
«المادة علينا حق، المادة علينا حق»

كل شيء مادة
صوتك مادة ورائحتك مادة وروحك مادة
عيناك الناظرتان إلى عينيَّ مادة، ونظر عينك في عيني نفسه مادة
ملمس شفتيك الملتصقتين بشفتيَّ مادة
الحب مادة والحزن مادة والسير وحيدًا (وحيدةً) مادة
أنا مادة وأنت مادة وكل شيء مادة
لقيانا وحده ... هباء
ببساطة، لأنه لا يحدث
إلَّا في خيالي غير النظيف

من نخدع يا حبيبي؟
كلانا من مادة
مادتك في بوسطن
مادتي في القاهرة
ومادة كتابتي عنك وإليك
مادة فاسدة
أو «بيس أوف شيت» في قولٍ آخر

ألقاك ...

11 يناير 2018